محمد بن جرير الطبري
68
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أولى معانيه به أغلبه على الظاهر ، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معني به غير ذلك . وأما قوله : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فإنه يعني : وتبيينا لكل شيء من أمر الدين الذي أمروا به . فتأويل الكلام إذن : ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده وأيادينا قبله ، تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربه وقيامه بما كلفه من شرائع دينه ، وتبيينا لكل ما لقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم . كما : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فيه حلاله وحرامه . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ يقول تعالى ذكره : آتينا موسى الكتاب تماما وتفصيلا لكل شيء . وَهُدىً يعني بقوله " وهدى " : تقويما لهم على الطريق المستقيم ، وبيانا لهم سبل الرشاد لئلا يضلوا . وَرَحْمَةً يقول : ورحمة منا بهم ، ورأفة ، لننجيهم من الضلالة وعمى الحيرة . وأما قوله : لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ فإنه يعني : إيتائي موسى الكتاب تماما لكرامة الله موسى على إحسان موسى ، وتفصيلا لشرائع دينه ، وهدى لمن اتبعه ورحمة لمن كان منهم ضالا ، لينجيه الله به من الضلالة ، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه ، فيرتدع عما هو عليه مقيم من الكفر به ، وبلقائه بعد مماته ، فيطيع ربه ، ويصدق بما جاءه به نبيه موسى صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . كتاب أنزلناه مبارك . فَاتَّبِعُوهُ يقول : فاجعلوه إماما تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس . وَاتَّقُوا يقول : واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه ، وتتعدوا حدوده ، وتستحلوا محارمه . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد عليه الصلاة والسلام . فَاتَّبِعُوهُ يقول : فاتبعوا حلاله وحرموا حرامه . وقوله : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يقول : لترحموا فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه . القول في تأويل قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ اختلف أهل العربية في العامل في " أن " التي في قوله : أَنْ تَقُولُوا وفي معنى هذا الكلام ، فقال بعض نحويي البصرة : معنى ذلك : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن كراهية أن تقولوا : إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا . وقال بعض نحويي الكوفة : بل ذلك في موضع نصب بفعل مضمر ، قال : ومعنى الكلام : فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ؛ اتقوا أن تقولوا . قال : ومثله بقول الله أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . وقال آخرون منهم : هو في موضع نصب . قال : ونصبه من مكانين ، أحدهما " أنزلناه لئلا يقول : إنما أنزل الكتاب على " . والآخر من قوله : اتَّقُوا قال : ولا يصلح في موضع أن كقوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : نصب " أن " لتعلقها بالإنزال ، لأن معنى الكلام : وهذا كتاب أنزلناه مبارك لئلا تقولوا : إنما أنزل الكتاب